أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
199
العقد الفريد
ولا أنا ممن يؤثر اللهو قلبه * فأمسي في سكر وأصبح في سكر ولا قارع باب اليهوديّ موهنا * وقد هجع النّوام من شهوة الخمر وأوتغه الشيطان حتى أصاره * من الغيّ في بحر أضل من البحر « 1 » أغذّ السّرى فيها إذا الشّرب أنكروا * ورهني عند العلج ثوبي من الفجر « 2 » كأني لم أسمع كتاب محمد * وما جاء في التنزيل فيه من الزجر كفاني من كل الذي اعجبوا به * قليلة ماء تستقي لي من النهر ففيها شرابي إن عطشت وكل ما * يريد عيالي للعجين وللقدر بخبز وبقل ليس لحما وانني * عليه كثير الحمد للّه والشكر فيا صاحب اللّحمان والخمر هل ترى * بوجهي إذا عاينت وجهي من ضرّ « 3 » وباللّه لو عمّرت تسعين حجة * إلى مثلها ما اشتقت فيها إلى خمر ولا طربت نفسي إلى مزهر ولا * تحنّن قلبي نحو عود ولا زمر وقد حدّثوني أن فيها مرارة * وما حاجة الإنسان في الشرب للمرّ أخي عدّ ما قاسيته وتقلبت * عليك به الدنيا من الخير والشر فهل لك في الدنيا سوى الساعة التي * تكون بها السراء أو حاضر الضر فما ساق منها لا يحس ولا يرى * وما لم يكن منها عميّ عن الفكر فطوبى لعبد اخرج اللّه روحه * إليه من الدنيا على عمل البر ولكنني حدّثت أنّ نفوسهم * هنالك في جاه جليل وفي قدر وأجسادهم لا يأكل الترب لحمها * هنالك لا تبلى إلى آخر الدهر وقال أيضا : كتبت وشوق لا يفارق مهجتي * ووجدي بكم مستحكم وتذكري « 4 »
--> ( 1 ) وأوتغه : أي قاده إلى التهلكة . ( 2 ) العلج : كل جاف شديد من الرجال . ( 3 ) اللحمان : الذي كثر لحم بدنه . أو اللحم . ( 4 ) الوجد : الشوق الشديد .